صديق الحسيني القنوجي البخاري

588

فتح البيان في مقاصد القرآن

وأخرج الطبراني والبغوي وابن أبي حاتم وغيرهم عن زيد بن أبي أوفى قال : خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتلا هذه الآية قال : « المتحابون في اللّه في الجنة ينظر بعضهم إلى بعض » . لا يَمَسُّهُمْ فِيها أي في الجنة مستأنفة أو حالية نَصَبٌ أي تعب وإعياء لعدم وجود ما يتسبب عنه ذلك في الجنة لأنها نعيم خالص ، ولذة محضة تحصل لهم بسهولة وتوافيهم مطالبهم بلا كسب ولا جهد ، بل بمجرد خطور شهوة الشيء بقلوبهم يحصل ذلك الشيء عندهم صفوا عفوا قال السدي النصب المشقة والأذى وَما هُمْ مِنْها أي من الجنة بِمُخْرَجِينَ أبدا ، وهذا نص من اللّه الكريم في كتابه العزيز على خلود أهل الجنة في الجنة والمراد منه خلود بلا زوال وبقاء بلا فناء وكمال بلا نقصان وفوز بلا حرمان ، وفي هذا الخلود الدائم وعلمهم به تمام اللذة وكمال النعيم ، فإن علم من هو في نعمة ولذة بانقطاعها وعدمها بعد حين موجب لتنغض نعيمه وتكدر لذته . ثم قال سبحانه بعد أن قص علينا ما للمتقين عنده من الجزاء العظيم والأجر الجزيل نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي بفتح الياء فيهما وسكونهما فيهما سبعيتان أي أخبر يا محمد كل من كان معترفا بعبوديتي وهذا كما يدخل فيه المؤمن المطيع كذلك يدخل فيه المؤمن العاصي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ أي أنا الكثير المغفرة لذنوبهم الكثير الرحمة لهم كما حكمت به على نفسي إن رحمتي سبقت غضبي « 1 » اللهم اجعلنا من عبادك الذين تفضلت عليهم بالمغفرة وأدخلتهم تحت أوسع الرحمة . أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مصعب بن ثابت قال : مرّ النبي صلى اللّه عليه وسلم على ناس من أصحابه يضحكون فقال : « اذكروا الجنة واذكروا النار » فنزلت هذه الآية . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة فلو يعلم الكافر كل الذي عند اللّه من رحمته لم ييأس من الرحمة ، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند اللّه من العذاب لم يأمن من النار » « 2 » . ثم إن اللّه سبحانه لما أمر رسوله أن يخبر عباده بهذه البشارة العظيمة أمره بأن يذكر لهم شيئا ما يتضمن التخويف والتحذير حتى يجتمع الرجاء والخوف ويتقابل

--> ( 1 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في التوحيد باب 15 ، 22 ، 28 ، 55 ، وبدء الخلق باب 1 ، ومسلم في التوبة ، حديث 14 - 16 ، والترمذي في الدعوات باب 99 ، وابن ماجة في المقدمة باب 13 ، والزهد باب 35 ، وأحمد في المسند 2 / 242 ، 258 ، 260 ، 313 ، 358 ، 381 ، 397 ، 433 ، 466 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 19 ، ومسلم في التوبة حديث 17 ، 18 ، 19 ، 20 ، 21 .